عبد الملك الجويني

8

الشامل في أصول الدين

بأن كل مجتهد مصيب . فأنّى يستقيم القطع بتصويب القائس مع الذهاب إلى أنه على غلبة الظن ؟ وهذا تناقض في ظاهر الأمر . والجواب عن ذلك يستقصي في الأصول . وسبيل إنجاز القول فيه أن نقول : يغلب على ظن الناظر أولا أمر في المجتهد فيه ، ثم يثبت بدلالة قاطعة أنه يجب عليه العمل بما غلب عليه ظنه . فالقطع إنما أثارته دلالة أصولية قطعية عند حدوث غلبة الظن بعقب الاجتهاد ، وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب « التلخيص في الأصول » . فصل [ في وضوح النظر ودقيقه ] فإن قال قائل : تفصلون بين جلي النظر ودقيقه ، فافصلوا بينهما وأوضحوا حقيقتهما . قلنا ذهب بعض المنتمين إلى الأصوليين إلى أن النظر ينقسم إلى الجلي والخفي ، واستروح فيما صار إليه وارتضاه إلى أنا وجدنا رتب النظر متفاوتة : فمنها ما يلوح ويتضح من غير بحث حتى يتسرع إلى دركه الشادي والمنتهي . ومنها ما يدق ويتخصص بدركه كل بازل من النظار . فاستبان بذلك تفاوت رتب النظر . والذي يوضح ذلك : أن الناظر كما يفصل بين المختلفات من الأعراض ويميز بين أحواله فيها ، فكذلك يميز بين غموض دليل ووضوح آخر ، ويعلم أن الكلام في افتقار الحادث إلى محدث لا يجاري الكلام في إثبات الجزء والطفرة « 1 » ودقائق الأكوان . والذي ارتضاه المحققون أن العلوم المرتبطة بضروب النظر لا تختلف وتتفاوت ، إذ لا يتصور علم أبين من علم ، إذ العلم [ علم ] « 2 » بتبيين المعلوم ومعرفته واستيفائه ، ولا يضام العلم استرابة أصلا ، وكيف يتضاهان وهما متضادان ؟ فوضح بذلك استحالة وصف العلم بالخفاء ، إذ حقيقة كل علم التبيين وهو يناقض الخفاء . فإن قال قائل : فيلزم على طرد ما قلتموه أن تكون العلوم النظرية بمثابة العلوم الضرورية والميز بينهما معلوم قطعا . وربما يلزم من لا يحصل سؤالا فيقول : لو استوى العلمان ، لزم القطع بأن معرفة الواحد منا ربه بمثابة معرفة الأنبياء والملائكة ، وهذا ما لا سبيل إلى إطلاقه إذ الأمة مطبقة على خلافه . والجواب عن ذلك أن نقول : هذا سؤال من ذهل عن الحقائق واجترأ بظواهر التلويحات . وجملة القول في ذلك أنه لا يتصور ثبوت علمين أحدهما أبين من الآخر ، كما

--> ( 1 ) الطفرة : الوثبة في ارتفاع . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .